الثلاثاء، 14 يوليو 2009

"نون"..... لسحر الموجي

"عندما كنت علي وشك الأنهيار ...جاءت لتحي في شيء كنت علي وشك فقدانه لأعود أبحث عن "نون"ي و أحول الوصول ألي نقطة المنتصف... نقطة ال"نون"

سأبد كلماتي الضئيلة كما بدأت الأستاذة سحر الموجي رائعتها "نون".... سأبدا من نقطة مضيئة
نقطة أيمان يزداد في نفسي و أنا أتوغل في تجربة فريدة من نوعها ....أيمان بأن هناك من الأديبات المصريات من قدر لهن الدخول ألي قائمتي المتواضعة للكتاب المفضليين
نقطة أيمان بأن هناك من النساء المبدعات من بقيت عليهن هذه الأرض الخمرية ...هناك من النساء من تستحق أن تتوج علي عرش الأبداع مع من توجوا
فلقد كنت علي وشك الوصول ألي درجة يائسة من اليأس في أنه ليس هناك من الأديبات المصريات المعاصريين من ستتمكن من الوصول إلي درجة الأبداع التي وصلت إليها "عزازيل" أو "يوتوبيا".... أنه لن _ولن أبدا_ يوجد من سستمكن من الجلوس بالقرب من الأستاذ "نجيب سرور" في قلبي.... و لكن جاءت الأستاذة سحر الموجي لتثبت لي أنه هناك من الأديبات المصريات من تستطيع أن تحتل مرتبة عالية في عقلي و حتي تنحت فيه أسمها و تطعمه بالذهب....

"نون" تعد من التجارب القليلة التي يمكنها أن تغير فيك ....تضحكك و تبكيك و تلعب بأعصابك و تدفئك ثم تأخذ منك هذا الدفء.... تعطيك من المشاعر ما تعطيك و تلهمك ...
تكئبك تارة ثم تعود لتبث فيك الأمل ....تنتقل بك من مكان ألي أخر فتتخيل أنك واحد من هؤلاء الأصحاب الأربعة....
لا أعلم كيف و لكني ظللت أقرأ كل كلمة منقوشة بفرشاة مبدعة مرة ثم أعيد قرأتها مرة أخري فيرجع صداها لأسمعه بصوت مختلف يغير في ما يغير ....و لطلما كانت أفضل التجارب الأدبية -بالنسبة لي- هي التجارب الأدبية التي تغير في خلال قرأتي لها تعطيني من أفكارها أفكار و من أحلامها أحلام ...تجدد المشاعر في و أشعر معها بطعم جديد للأشياء
و حقا ان "نون" هي من أكثر التجارب -بعد أعمال العبقري "نجيب سرور"- التي تمكنت من الوصول ألي أعلي درجات التجارب الأدبية عمقا شكلا و موضوعا

بالرغم من شدة بساطة الفكرة التي تدور حولها الرواية ألا أن ما جائت به سحر الموجي علي لسان أبطال تحفتها الأبداعية جاء ليمس كل الجوانب الأنسانية المعقدة ....جاء ليمس المشاعر العميقة المظلمة داخلي ....يحثني علي البحث عن ذاتي...
جاءت كل شخصية تحمل في جوانبها جانب مني و من كل أنسان ....تحمل جنوننا.... تحمل أحسيسنا المعقدة.... خباينا و أحلامنا ...حتي عيوبنا ...جاءت لتعبر عني و عننا بشكل أو بأخر... فمست في ما مست

شخصية "سارة" الأستاذة الجامعية الدارسة للفلسفة.... مشاعرها و أيامها ....علاقتها المتغيرة و المعقدة ...
فلسفتها في حياتها و تدخلها الأيجابي في حياة أصدقائها الثلاث.... قوتها و صلابتها التي ظهرت بجانب رقتها و مشاعرها الجياشة....
"سارة" التي لعبت الحضارة الفرعونية جزء كبير في تكوين شخصيتها و بالتالي في سياق الرواية فزادت من سحر هذا العمل الخلاب سحر....
"نورا" التي شعرت معها بدفء حبها لزوجها "خالد" ....بلمسة يد و مشاعر رقيقة جياشة و محببة.... ثم شعرت بالتعاطف معها فيما تمر به من تقلبات و ضغط فرأيت فيها شخصيات مروا علي حياتي ....ثم غضبت منها عندما أستسلمت في النهاية لحزنها فرأيت فيها أشخاص أخريين أعرف قادهم الحزن ألي الأستسلام و رؤية لاشيء سوي القبيح الأسود الداكن و الغباء في حياة لا تستحق المحاولة....
ثم "حسام" الرجل الوحيد في دائرة من أربع أصدقاء و الذي شعرت معه برغبة شديدة في الحصول علي صديق مثله ....تعقيدات شخصية حسام و ما يحمله من متناقضات مشاعره المتداخلة و أحساسه بالضياع في أوج نجاحه ...رغبته في العثور علي الحب ...الشعور بالدفئ و الأحساس الأمان ...و مصريته الشديدة و وطنيته المبهرة...
كلها أشياء ساعدت علي دخول شخصية حسام إلي قلبي .... فرسمت له ملامح و أعطيت لصوته نبرة و ضحكت علي دعابته و أسلوبه البسيط في الكلام
و بالرغم من أن لشخصية حسام عيوب جذرية و خطيرة ألا أنني مع كل ذلك أحببت هذه الشخصية المعقدة بعيوبها....
أما دنيا فهي الأقرب في دائرة الأربع ألي قلبي ...هذه الفتاة الفلسطينية الأصل... "الثورجية" ....المندفعة ...هذه الفتاة المتمردة البسيطة التي تركت الحياة تحركها كما تريد فنسيت ما تحب حتي وجدت نفسها...
أحببت دنيا كثيرا... رأيت فيها الكثير ....تشابهنا كثيرا و رسمت لها في عقلي ملامح تشبهني... تعاطفت معها فيما تمر به و شعرت براحة بالها و سعادتها ثم وضعت صورتها التي رسمت في أطار فضي في قلبي....

هؤلاء الأصدقاء الأربع الذين تمكنت سحر الموجي من رسم شخصيتهم بأروع و أبدع الكلمات فصاروا شخصيات ناطقة ملموسة شخصيات حقيقة جعلني أشعر و كأنني أعرفهم حق المعرفة منذ زمن بعيد فأحببتهم و أحببت تجمعاتهم و أسعدتني فكرة أن أكون الصديقة الخامسة..... الصديقة التي تراقب تجمعاتهم من بعيد و تبدي تعليقات غير مسموعة..
أحببت الأصدقاء الأربع...
أحببت ذوقهم الرفيع في الموسيقي و الأغاني التي تخللت الأحداث في أبداع تام...
القطع الشعرية المنتقاة بعناية و التي تمكنت سحر الموجي من وضعها في أماكنها الصحيحة و المناسبة بأتقان شديد....
قدر الثقافة الذي أظهرت في الفقرات المقتبسة عن كاهنة و فراعنة قدماء جاءت لتكمل أحاديث الشخصيات الحميمة بشكل يقشعر البدن و يجعلك تري الأشياء و الأحاديث بمنظور ثاني مختلف و عميق ...

و مع كلن و بالرغم من أعجابي الشديد بهذه التحفة الأدبية ألا أنها لم تخلو مما أزعجني.... فلقد أزعجني كثيرا الجو العام الذي يعيش فيه الشخصيات ...المحرمات بجميع أشكالها و المباحة بشكل غير منطقي...
الخمر الذي ظهر موازي في أباحته للمياه... المخدرات و العلاقات الغير شرعية التي سيطرت علي معظم العلاقات الموجودة في الرواية...
شعرت و كأنها لا تتكلم عن أشخاص مصريين ....عرب ثلات منهم نساء في مراكز مؤثرة ....أحدهم أستاذة جامعية و أخر صحفي....
نبرة التحرر الزائد هي أكثر ما أزعجني ....سحابة المحرمات التي خيمت علي الروايةة أشعرتني بشيء من عدم الراحة و الضيق....

و لكن في النهاية ها أنا أقرأ "نون" للمرة الثانية ....أكتشف فيما بين سطورها أحاسيس جديدة و معاني أعمق....
أرها للمرة الثانية بعين أكثر وعيانا و تصفحا لأرها أكثر تألقا...
أركز أكثر في كلام سارة فتتبين لي عبقرية كلماتها الفلسفية العميقة...
أتعاطف أكثر مع نورا و يؤلمني ضعفها...
أحب حسام أكثر و أبتسم لنبرته الساخرة و يلفت أنتباهي أنتمائه بصورة أعمق...
أتقرب أكثر من دنيا فأري تشابه أكبر بيننا فأشعر بها تتغلل ألي داخلي و تحتل منزلة أعلي في قلبي...

أحببت نهاية "نون" المفاجأة و التي ظهرت نضج سحر الموجي الأدبي و الأنساني
ف"نون" هي عمل فني أبداعي و تجربة تستحق أن تخضها أنت بنفسك و تستمتع بها لتغيرك و تضيف ألي عقلك و قلبك الكثير

من "نون" أقتبس:
"عندما نظن أننا هنا بمحض الصدفة نتحول إلي حبات مطر تنزلق علي سطح رخام أملس لا تترك ورائها علامة أو تصب في تربة قد تنبت ربيعا أو قمحا للصغار أما لو فتحنا عين الرؤية عين "حتحور" و أستبدلنا بها عين النظر لرأينا ألف معجزة صغيرة تحدث في كل اللحظات كانت تحدث و نحن عميانا"

"أن كان في قلوبنا خوف فهو خوفنا
و إن كانت هناك هاوية فهي من صنع إيدينا
و أن كانت مخاطر فعلينا أن نحبها
يا ابنتي ربما كل التنانين في حيواتنا لسن
إلا أميرات فاتنات
ينتظرن رؤيتنا نقدم علي الفعل
و لو لمرة واحدة
بنبل و شجاعة
ربما كل ما يخيفنا هو في أقصي عمق منا
ليس إلا بلا حول ينتظر كحبتنا "
"جزء من قصيدة "أن كان ...محبتنا" من الرسالة الثامنة من "رسائل لشاعر شاب" للشاعر الألماني ريلكه"

"عندما تكون الحياة كلها أنصاف أشياء أليس من حقنا أن نسعي إلي شيء واحد مكتمل في دوائرنا القريبة ! "

"يبدو أن أستغرقنا في ألمنا الخاص يعمي أعيننا عن أن الأخرين قد يعانون ألما مشابها أي سذاجة تجعلنا لا نري !"

"شعرك الذي كان ينبض علي وسادتي
كشلال من العصافير
يلهو علي وسادات غريبة
يخونني يا ليلي
فلن أشتري له الأمشاط المذهبة بعد الأن
سامحيني أنا فقير يا جميلة
حياتي حبر و مغلفات و ليل بلا نجوم
شبابي بارد كالوحل
عتيق كالطفل
طفولتي يا ليلي ألا تذكرينها"
"قصيدة حزن في ضوء القمر للشاعر محمد الماغوط"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق